الشيخ الأميني
149
الغدير
وقال سعيد بن عبد الله لهشام بن عبد الملك : يا أمير المؤمنين ! إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب فالعنه أنت أيضا ( 1 ) . وعلى هدا الأساس من معنى الخلافة لا عسف ولا حزازة في رأي الخليفة الأول ومن حذا حذوه من صحة اختيار المفضول على الفاضل ، وتقديم المتأخر على المتقدم بأعذار مفتعلة ، وأوهام مختلقة ، ومرجحات واهية ، وسياسة وقتية ، إذ الأمر الذي لا يشترط في صاحبه شئ من القداسة الروحية ، والملكات الفاضلة ، والخلايق الكريمة ، والنفسيات الشريفة ، ومعالم ومعارف ، ومدارج ومراتب ، ولا يؤاخذ هو بما فعل ، ولا يخلع بتعطيل الأحكام ، وترك إقامة ، الحدود ، ولا ينابذ ما دام يقيم في أمته الصلاة كما سمعت تفصيل ذلك كله لا وازع عندئذ من أن يكون أمثال أبي عبيدة الجراح حفار القبور حاملا لهذا العبء الثقيل ، متحليا بأبراد الخلافة ، ولا مانع من تقديم الخليفة الأول إياه أو صاحبه على نفسه في بدء الأمر ، ولا حاجز من اختيار أي مستأهل لتنفيذ ما ذكر ص 138 مما يقام له الإمام ولو بمعونة سماسرته وجلاوزته ومن يهمه أمره ، بل من له الشدة والفظاظة والعنف والتهور إلى أمثالها ربما يكون أولى من غيره مهما اقتضته السياسة الوقتية . واتبع الأكثرون الخليفة في تقديم المفضول على الفاضل ، قال القاضي في المواقف : جوز الأكثرون إمامة المفضول مع وجود الفاضل ، إذ لعله أصلح للإمامة من الفاضل ، إذا المعتبر في ولاية كل أمر معرفة مصالحه ومفاسده ، وقوة القيام بلوازمه ، ورب مفضول في علمه وعمله هو بالزعامة أعرف ، وشرائطها أقوم ، وفصل قوم فقالوا : نصب الأفضل إن أثار فتنة لم يجب وإلا وجب . وقال الشريف الجرجاني : كما إذا فرض أن العسكر والرعاية لا ينقادون للفاضل بل للمفضول . " شرح المواقف 3 . 279 " قال الأميني : إنا لا نريد بالأفضل إلا الجامع لجميع صفات الكمال التي يمكن اجتماعها في البشر لا الأفضلية في صفة دون أخرى ، فيكون حينئذ الأفقه مثلا هو الأبصر بشؤون السياسة ، والأعرف بمصالح الأمور ومفاسدها ، والأثبت في إدارة الصالح العام ، والأبسل في مواقف الحروب ، والأقضى في المحاكمات ، والأخشن في ذات الله ، والأرأف بضعفاء
--> ( 1 ) تاريخ ابن كثير 9 : 432 .